ابتهالات:الشاعر الكبير بدوي الجبل
لا الغوطتان و لا الشباب أدعو هواي فـلا أجـاب
أين الشـام مـن البحيـرة و المـآذن و القبـاب
و قبور إخواني و ما أبقى من السيـف الضـراب
الصامتات و للطيور على مشارفهـا اصطخـاب
الغافيات فلـم تـرع منهـا الزماجـر و الوثـاب
أشتـاق أحضنهـا و ألثمهـا و للدمـع انسكـاب
تحنو الدموع على القبور فتورق الصـمّ الصـلاب
و لهـا إلينـا لهفـة و لطـول غربتنـا انتحـاب
يا شام : يا لدة الخلود و ضـمّ مجدكمـا انتسـاب
من لي بنزر من ثراك و قد ألـحّ بـي اغتـراب
فأشمّـه و كأنّـه لعـس النـواهـد و الـمـلاب
و أضمّه فترى الجواهـر كيـف يكتنـز التـراب
هـذا الأديـم شمائـل غـرّ و أحـلام عــذاب
و أمومة و طفولـة و رؤى كمـا عبـر الشهـاب
و تحيّة مسكيّـة مـن سالفيـن هـووا و غابـوا
و من الأبـوّة و الجـدود لأهـل ودّهـم خطـاب
هـذا الأديـم أبـي و أمّـي و البدايـة و المـآب
و وسائدي و قلائدي و دمى الطّفولـة و السخـاب
ودد يبـاع لـه الوقـار و لا ندامـة و الصـواب
أغلى علـيّ مـن النجـوم و لا ألام و لا أعـاب
الروح من غيب السماء و منك قد نسـج الإهـاب
أشتاق شمسك و الضحى أنا و البحيرة و الضباب
و مضفّـرات بالثلـوج كأنّمـا نصـل الخضـاب
تعوي الرّياح فما القساور في الفلاة و ما الذئـاب
و الثلج جنّ فلم تبن سبل و لـم تعـرف شعـاب
أخفى المعالم لا السفوح هي السفوح و لا الهضاب
يا شمس غبت فكيف تمّ – و لا طلوع لك – الغياب
إن كنت مسلمة الهـوى فتألّقـي رفـع الحجـاب
ملّ السحاب من السماء وقرّ في الأرض السحـاب
و كأنّ ملء الأرض ملء الأفـق آلهـة غضـاب
حسن يهاب و ما سما حسـن يحـبّ و لا يهـاب
***
دوح البحيرة أين سامـرك المعطّـر و الشـراب
و الراقصون ونوا فحين دعاهم النغم ، استجابـوا
و القاطفون شفاههـم كورودهـم حمـر رطـاب
ثغر على ثغر . تسرّب فيه ، فاختلـط الرضـاب
قبـل ، أغاريـد الشفـاه فتستعـاد و تستـطـاب
و تكاد تقطـف كالرّياحيـن المجانـة و الدعـاب
أهي العقود على الرّقاب بل المعاصـم و الرقـاب
بيني و بين الدوح في أحزانـه النسـب القـراب
من كلّ موحشة فأين الطيـب و الوهـج المـذاب
و غدا يعود لك الشباب و لن يعود لـي الشبـاب
الدّهر ملك يمينه و الشمـس مـن يسـراه قـاب
طابت سلافتـه تـدار علـى سكارهـا و طابـوا
لهفـي عليـه فطالمـا أشقـاه لـوم و اغتيـاب
نعـم الملائـك بالشبـاب فمـا لنعمتـه استـلاب
و يزورنا لمع البروق فمـا للامعـه اصطحـاب
و العمر أيـام قـد اختصـرت و آمـال رحـاب
ليت الملائك يشفقون على الألى عبثـوا و خابـوا
قـدر تعجّـل أن نعاقـب مؤمنيـن و أن يثابـوا
عد يا شباب و لن أطامن من جماحك يـا شبـاب
***
في غربة أنـا و الإبـاء المـرّ و الأدب اللبـاب
كالسيف حلّتـه الفتـوح و ربّمـا بلـي القـراب
طود أشمّ فكيـف ترشقنـي السّهـام و لا أصـاب
يخفي البغاث فلا تلـمّ بـه و لا يخفـى العقـاب
الكبـر عنـدي للعظيـم إذ تكـبّـر لا العـتـاب
عندي له زهد يـدلّ علـى الكواكـب و اجتنـاب
يزهو الكريـم و قلبـه قطـع تمزّقهـا الحـراب
أغلى المروءة شيمة طبعت و أرخصهـا اكتسـاب
***
أنا ما عتبت على الصحاب فليس في الدنيا صحاب
خرس و لكن قـد تفاصحـت الخواتـم و الثيـاب
عقمت مروءتهم و تطمـع أن يدغدغهـا احتـلاب
و اعفّ عن سبّ اللئيـم و ربّمـا نبـل السبـاب
حيّا فبشـر سلامـه نـزر و بسمتـه اغتصـاب
يا من يمنّ بودّه و الشهد . حين يمـنّ – صـاب
أنا كالمسافـر لاح لـي أيـك و أغرتنـي قبـاب
و تفتّحت حولي الرياض الخضر و اصطفق العباب
و وثقت أنّ النهر ملك يـدي ففاجأنـي السـراب
***
أنا لا أرجّي غيـر جبّـار السمـاء و لا أهـاب
بينـي و بيـن الله مـن ثقتـي بلطـف الله بـاب
أبدا ألـوذ بـه و تعرفنـي الأرائـك و الرّحـاب
لي عنده من أدمعـي كنـز تضيـق بـه العيـاب
***
يا ربّ : بابـك لا يـردّ اللائذيـن بـه حجـاب
مفتاحـه بيـديّ يقيـن لا يلـمّ بــه ارتـيـاب
و محبّـة لـك لا تكـدّر بالرّيـاء و لا تـشـاب
و عبادة لا الحشر أملاهـا علـيّ و لا الحسـاب
وإذا سألت عن الذنـوب فـإن ّ أدمعـي الجـواب
هي في يميني حيـن أبسطهـا لرحمتـك الكتـاب
إنّي لأغبط عاكفين علـى الذنـوب و مـا أنابـوا
لو لـم يكونـوا واثقيـن بعفـوك الهانـي لتابـوا
منهم غدا لكنـوز رحمتـك اختطـاف و انتهـاب
و لهم غدا بيقينهم مـن فـيء سدرتـك اقتـراب
و سقيت جنّتك الدموع فـروّت النطـف العـذاب
و سكبت في نيرانـك العبـرات فابتـرد العـذاب
تنهل في عـدن فنـوّر كوكـب و نمـت كعـاب
قرّبتها زلفى هـواك فـلا الثـواب و لا العقـاب
أنت المرجّى لا تنـاخ بغيـر ساحتـك الركـاب
الأفق كأسـك و النجـوم الطافيـات بـه حبـاب
أنا مـن بحـارك قطـرة مّمـا تحمّلـه الربـاب
ألقـى بهـا بعـد السّفـار فضمّهـا قفـر يبـاب
ألبحـر غايتهـا فـلا واد يصـدّ و لا عـقـاب
يا دمعة المزن اغتربت و شطّ أهلـك و الجنـاب
حثّي خطـاك فللفـروع إلـى أرومتهـا انجـذاب
حثّي خطاك فشاهـق يرقـى و موحشـة تجـاب
ألبحر معدنك الأصيل و شوق روحـك و الحبـاب
و غـدا للجّتـه و إن بعـدت يتـمّ لـك انسيـاب
***
أنا لا أطيل إذا ابتهلت و قـد تحدّتنـي الصّعـاب
لا أشتكـي و بمهجتـي ظفـر يمزّقهـا و نـاب
مسح الحياء على الدموع و أكرم الشكوى اقتضاب
تكفي ببابـك وقفـة و أسـى تجمّـل و اكتئـاب
***
يا شام عطر سريرتـي حـبّ لجمرتـه التهـاب
أنت اللبانة في الجوانـح لا النـوار و لا الربـاب
لك مهجتـي و قبولهـا منـك الهديّـة و الثـواب
و النور في عيني و لا مـنّ عليـك و لا كـذاب
أنا من عرفت : تجلّد عنـد النوائـب و احتسـاب
و لئن عثـرت فربّمـا عثـرت مجليّـة عـراب
يعيـا بحقّـك مـن يسوّفـه و لا يعيـا الطـلاب
غالبت أشواقي إليك و يضـرم الشـوق الغـلاب
و وددت لو عمرت رباك و ألف عامـرة خـراب
أنا طيرك الشادي و للأنغام من كبـدي انسـراب
سكبـت أغاريـدي و للأمـواج زأر و احتـراب
فصغت تسمعها الريّاح و قرّ في الموج اضطـراب
أنا و الربيـع مشـرّدان و للشـذا معنـا ذهـاب
لا الأيك بعد غيابنا غرد الطيـوب و لا الربـاب
و النور يسأل و الخمائل و الجمال متى الإيـاب ؟
الشاعر الكبير بدوي الجبل
اسمه الحقيقي محمد سليمان الأحمد
المصدر
بوابة الشعراء